يشرع لكل حاج ومعتمر وكل من دخل المسجد الحرام أن يشرب من ماء زمزم، ويتضلع بأن يشرب منه حتى يرتوي ويبلغ الماء أضلاعه؛ ويدعو بما تيسر من خير الدنيا والآخرة.
ولما كان لماء زمزم مزايا كثيرة فقد أوصى الرسول عليه الصلاة والسلام بشربه وحرص السلف رحمهم الله على تنفيذ وصية الرسول صلى الله عليه وسلم كلما زاروا البيت الحرام.
قال الإمام ابن القيم(1) رحمه الله: ماء زمزم هو سيد المياه وأشرافها وأجلها قدراً، وأحبها إلى النفوس، وأغلاها ثمناً، وأنفسها عند الناس...الخ.
ولزمزم عدة أسماء فهي(2): مكتومة، ومضنونة، وشباعة، وسقيا، والرواء، وقيل إنها سميت بزمزم لكثرتها أو لاجتماعها أو لحركتها(3)، ونبعت زمزم في زمن سيدنا إبراهيم عليه السلام، حينما ترك إسماعيل، وأمه بمكة فأنعم عليهما الله بهذا الماء ثم اندثرت هذه البئر فحفرها عبدالمطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم (4).
ما ورد في فضلها من أحاديث:
عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ماء زمزم: "إنها مباركة، إنها طعام طعم" رواه مسلم، ورواه الطيالسي والبزار والبيهقي بزيادة "وشفاء سقم" وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم، فشرب وهو قائم" رواه البخاري، ويستحب لمن أتى ماء زمزم أن يشرب منه ويتضلع فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إن آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم" رواه ابن ماجة وعبدالرزاق، ويغسل رأسه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما شرب منه صب على رأسه وقال صلى الله عليه وسلم : "ما ء زمزم لما شرب له" أخرجه أحمد وابن ماجة عن جابر رضي الله عنه، وأخرجه الدارقطني والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الدمياطي والدينوري. قال النووي(5): "معناه أن من شربه لحاجة نالها، وقد جربه العلماء والصالحون لحاجات أخروية ودنيوية فنالوها بحمد الله وفضله".
ونقل الحكيم الترمذي(6): أن من شربه بأي نية من أبواب الخير والصلاح وفى الله له بذلك، ولكن ينبغي أن يعلم أن ذلك يتوقف على قوة إيمان الشارب(7) وصدق توكله على الله، فإن ماء زمزم سلاح، والسلاح بحسب اليد التي ترمي به. وإن الله حكيم عليم متى شاء استجاب دعاء عبده في الدنيا أو الآخرة، وكان السلف يحرصون على شربه كلما زاروا المسجد الحرام وعند سفرهم، قال مجاهد: كانوا يستحبون إذا ودعوا البيت أن يأتوا زمزم فيشربوا منها.
نماذج لأدعية العلماء عند شرب زمزم:
تحقيقاً واستجابة لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "ماء زمزم لما شرب له" فقد كان كثير من العلماء يسألون الله بأدعية وحوائج مختلفة فاستجاب الله لهم بفضله فقد روى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه إذا شرب من زمزم قال: "اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي واملأه من حكمتك" والإمام الشافعي(8) لما شرب زمزم سأل الله أن يسدده في الرمي فصار يصيب من عشرة تسعة، ولما شربه الإمام عبدالله بن المبارك قال: "اللهم إني أشربه من عطش يوم القيامة"، ولما شربه ابن خزيمة(10) سأل الله علماً نافعاً، والخليل بن أحمد سأل الله علماً لم يسبقه أحد إليه فكان واضع علم العروض.
وروى ابن عساكر في تاريخه(11) أن الخطيب البغدادي لما حج شرب من ماء زمزم ثلاث شربات وسأل الله ثلاث حاجات: أن يحدث بتاريخ بغداد فيها، وأن يُملي الحديث بجامع المنصور، وأن يدفن عند قبر بشر الحافي رحمه الله، فاستجيبت له جميعاً بفضل الله تعالى.
وقال الحافظ ابن حجر(12): وأنا شربته في بداية الطلب للعلم وسألت الله أن يرزقني مرتبة الذهبي في حفظ الحديث ثم قال: وأنا أجد من نفسي المزيد على تلك المرتبة، وقال السيوطي(13): ولما حججت شربت من ماء زمزم وسألت الله أن أصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.
ماء زمزم شفاء لبعض الأمراض:
قال ابن القيم(14): وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة واستشفيت به من عدة أمراض، فبرأت بإذن الله، وشاهدت من يتغذى بها الأيام ذوات العدد قريباً من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد جوعاً، وما حكاه ابن القيم يدل عليه ما رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أنه أقام ثلاثين ما بين يوم وليلة ليس له طعام إلا ماء زمزم فسمن، حتى تكسرت عكن بطنه، وما يجد جوعاً، فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنها مباركة، إنها طعام طعم".
وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنهما قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل ماء زمزم في الأداوي والقرب، وكان يصب منه على المرضى ويسقيهم" وقيل: إنه علاج للحمى لقوله صلى الله عليه وسلم : "هي الحمى من فيح جهنم، فبردوها بماء زمزم" رواه البخاري.
ذكر الأزرقي(15) عن الضحاك بن مزاحم قال: "ماء زمزم مذهب للصداع".
وهناك سيدة مغربية(16) ألفت كتاباً عنوانه: "فلا تنس الله" ذكرت فيها أنها أصيبت بالسرطان وقال لها الأطباء: لا علاج لهذا السرطان، فلما سافرت إلى مكة داومت على شرب ماء زمزم أياماً ثم قالت: وجدت الكريات الحمراء التي كانت تشوه جسدي قد اختفت نهائياً بفضل الله تعالى.
الضيافة بماء زمزم وحمله خارج مكة:
كان ابن عباس إذا نزل به ضيف اتحفه من ماء زمزم، سأل حبيب بن أبي ثابت عطاء بن أبي رباح عن حمل ماء زمزم خارج مكة؟ قال: قد حمله رسول الله، وحمله الحسن والحسين(17)، ومما يدل على ذلك ما رواه البخاري عن عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحمل ماء زمزم في الأداوي والقرب.
وقال الشيخ عبدالرشيد إبراهيم صاحب الرحلة المشهورة "عالم الإسلام" وهو تركي الأصل، روسي الجنسية(18)، أنه بقى معه ماء زمزم اثنتي عشرة سنة فلم يفسد ولم يتغير في زجاجاته وأنه جربه لعلاج أمراض المثانة والعيون فنجح فيها بحمد الله تعالى.
صفة شربه:
عن محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر قال كنت عند ابن عباس جالساً فجاءه رجل فقال: من أين جئت؟ قال من زمزم، قال: فشربت منها كما ينبغي؟ قال: فكيف أشرب؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة واذكر اسم الله؟ وتنفس ثلاثاً من زمزم وتضلع منها فإذا فرغت فاحمد الله تعالى(19).
الهوامش:
1- زاد المعاد (392/4).
2- لسان العرب (257/12).
3- للتوسع انظر: معجزات الشفاء بماء زمزم للأستاذ مجدي إبراهيم، ص: (13، 51).
4- سيرة ابن هشام (89/1).
5- تهذيب الأسماء واللغات للنوري (193/3).
6- نوادر الأصول للحكيم الترمذي ص: (341).
7- للتوسع انظر: تفسير القرطبي للآية رقم 37 من سورة إبراهيم.
8- انظر: جزء للحافظ ابن حجر في ماء زمزم ص: (35).
9- سير أعلام النبلاء (9393/8).
10- المرجع السابق (370/14)، وتذكرة الحفاظ (720/2).
11- تاريخ دمشق لابن عساكر (24/7).
12- جزء للحافظ ابن حجر في ماء زمزم ص: (37).
13- حسن المحاضرة (251/1)، (296/2).
14- زاد الميعاد (393/4).
15- أخبار مكة (50/2).
16- انظر كتاب: "معجزات الشفاء بماء زمزم" ص: (76).
17- مجمع الزوائد (278/3).
18- المجلة العربية عدد رقم (155) في شهر ذي الحجة عام 1410ه.
19- المغني لابن قدامة
أهم المراجع:
1- البداية والنهاية لابن كثير.
2- فتح الباري للحافظ ابن حجر.
3- معجزات الشفاء بماء زمزم لمحمد عبدالعزيز.
4- المغني لابن قدامة.
5- موسوعة الحديث النبوي، أحاديث الحرمين، د. بكر عبدالله قاضي.
6- موسوعة ماء زمزم للأستاذ- يحيى كوشك.
7- المراجع المذكورة في الهوامش.